موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الجمعة، 12 سبتمبر 2014

القدس في القلب

وجهات نظر
فؤاد الحاج
فلسطين هي في قلب بلاد العرب، كما هي في قلب كل عربي، وستظل القدس هي التحدي الأكبر الذي يواجه العرب مهما طال الزمن، فبقدر عروبة القدس، يكون حجم الإرادة العربية.
اليوم نقدم لمحة عن القدس بعد وقوعها في الأسر الصهيوني وتداعيات موقف الأنظمة العربية وبعض المنظمات التي تدعي أنها تأسست من أجل القدس.

أولاً نقول أن للقدس سحر خاص لا يعرفه إلا من عرف القدس في ماضيها وحاضرها ولا يشعر به إلا من عرف أبعاد الهجمة الصهيونية عبر التاريخ والتي تستهدف ليس القدس فقط بل الديانات السماوية وأثرها في نفوس المؤمنين، وأيضاً كل من عرف موقع القدس وفلسطين جغرافياً في الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج. من هنا نقول أن للقدس استمرارية فريدة تتحدى التاريخ، ففيها التقت حضارات العالم، ومر بها الأنبياء والأباطرة وجحافل الغزاة، وتعرضت للتخريب في حياتها أكثر من 16 مرة، وفي كل مرة كانت تقفز إلى الحياة من جديد وتعود قوية متعافية. وفيها تجلت حكمة الأنبياء، وشهدت (الإسراء)، وشهدت جبالها ووهادها دعوة رسول المحبة المسيح عليه السلام. وهي للعرب (تاريخ محفوظ)، وقد ظلت لفلسطين كالقلب كما فلسطين هي قلب بلاد العرب حتى بدأت المؤامرة الصهيونية، ووقعت في الأسر، وأصبحت أخطر تحد يواجهه العرب في تاريخهم الحديث.
لقد كانت على مر التاريخ تمثل المعيار الذي لا يخطئ على قوة العرب والمسلمين، فهي آمنة مزدهرة في ظل ازدهار العرب، وهي أسيرة كسيحة في ظل الضعف والانهيار الحضاري العربي، وهي دائماً كانت ولازالت محور المواجهة بين العرب وأعدائهم، وإذا أعدنا قراءة التاريخ، فستتوالى أسباب هذا الحكم التاريخي، فهكذا كانت محوراً للحروب الصليبية، وهكذا كانت عندما تعرض الوطن العربي كله للاستعمار الأجنبي، وهكذا هي الآن المعيار والمقياس. فالقدس قلب القضية العربية بلا جدال، وإذا سار العرب على طريق تحريرها، فهم سائرون على طريقة المواجهة الصحيحة مع الحركة الصهيونية، بكل أبعاد تلك المواجهة الحضارية والثقافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية.
ولكي لا ننسى، لقد وقعت القدس في الأسر الصهيوني في جولتين: في عم 1948 حيث تم احتلال القدس الجديدة، وفي حزيران/يونيو 1967 وقعت القدس القديمة وبقية فلسطين وأراض عربية أخرى تحت الاحتلال الصهيوني، وفي 27/6/1967 تم ضم القدس القديمة إدارياً وسياسياً للكيان الصهيوني الغاصب.
ولم يكد يمضي على احتلالهم للقدس سوى ثلاثة أيام، حتى اقتحمت الجرافات العسكرية منطقة الحرم الشريف ودمرت المنازل العربية، وخلال أيام ثلاثة أزيلت من الوجود معالم حي تاريخي بأكمله، ثم انتقلت إلى شارع الأنبياء في المنطقة المحيطة بحائط البراق ومنطقة باب العامود وأماكن أخرى، وبدأت تغييرات في معالم المدينة المقدسة خلافاً لكل الاعتبارات الدينية والجمالية والفنية التاريخية وللقانون الدولي، وتوالت قرارات مصادرة العقارات والمباني العربية، وبدأت الحفريات وعمليات الهدم التي ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، ولم يسلم المسجد الأقصى من أذى الصهاينة حيث أحرق الجناح الجنوبي والشرقي منه في صبيحة 21 آب/أغسطس 1996 على يد "سائح" أسترالي قيل أنه مجنون، وأتت النار على المنبر المطعم بالعاج والذي أقيم في عهد صلاح الدين الأيوبي.
هذا ما آلت إليه القدس ذات التاريخ الطويل. أنقل هنا بعض الفصول من تاريخها، لا بقصد الرد على مزاعم الصهيونية فيها، فهذه المزاعم محاولة مكشوفة لتضليلنا عن الطريق وإلهائنا عن مواصلة النضال من أجل تحرير كل فلسطين والأراضي العربية المحتلة، لأن الحجة الظاهرة التي تعتمد عليها الصهيونية بالنسبة للقدس هي أن للقدس "مكانة خاصة في اليهودية" مما يجعل أطماعهم فيها مستساغة، ورمز هذه الأطماع يتمثل في "حائط المبكى" تمويهاً لأهداف الصهيونية الحقيقية، وهذه المزاعم لا تسندها الحجة بل يسندها المدفع والطائرات وجنازير الدبابات والجرافات وغطرسة إدارات الشر الأميركية، والصهيونية تستخدم منذ قيامها الدين اليهودي كأداة في لعبة الأمم وبين الدول الكبرى والصغرى معاً، أما نحن فنميز بوضوح تام هذا الطرح وندرك أهدافهم الحقيقية في القدس، التي تدور حول الرغبة في قهر الإرادة العربية بانتزاع هذه الدرة الغالية من أرض العرب، فكما فلسطين هي في قلب بلاد العرب كذلك القدس ستبقى في قلب كل عربي.


يروي التاريخ أن أول من استقر بالقدس واتخذها موطناً هم الكنعانيون، وهم قبيلة عربية خرجت من شعاب الجزيرة العربية منذ أربعة آلاف عام قبل الميلاد وحطت رحالها حول نبع غزير فوق أحد جبال القدس، وقد وجدت نصوص مصرية قديمة يرجع تاريخها إلى ألفي سنة قبل الميلاد تشير إلى وجود الكنعانيين في القدس وتكشف هذه النصوص عن حضارة متقدمة حققها الكنعانيون الذين استطاعوا التوصل إلى استعمال المعادن في تلك العصور السحيقة.
ويمضي التاريخ في حركته، فبعد الكنعانيين جاء العموريون وهم أيضا قبيلة عربية خرجت من الجزيرة وكانوا أول من بنى سوراً للمدينة، وفي عام 1405 قبل الميلاد أحاطت بالقدس بعض القبائل المهاجمة فاستنجد ملكها العموري بفرعون مصر تحتمس الثالث الذي هب لنجدته وأنقذ المدينة من الأخطار المحدقة بها.
ولن أتابع كل تاريخ المدينة الحافل، بل بعد التاريخ المعروف للقدس والذي يريد المزيد عليه العودة إلى كتب أمهات التاريخ العربي لتلك المدينة المقدسة، وأكتفي بمتابعة الفاتحين لها، فقد مر بالقدس الفرس، فالإغريق ودخلها الاسكندر المقدوني منتصراً عام 330 قبل الميلاد، فبطالمة مصر، فأباطرة الدولة الرومانية.
مما تقدم يكشف هذا العرض الموجز أن صلة العرب بالقدس سابقة على دخول المسلمين عام 17 من الهجرة، وأن الفتح الإسلامي لم يكن سوى الموجة العربية الأخيرة التي أزالت عن فلسطين العربية حكم الرومان الأجنبي كما خلصت العراق مثلاً من حكم الفرس، وكان سكان البلاد عرباً من الموجات الآرامية، والكنعانية والعمورية من القبائل العربية التي سبقت موجة الإسلام، واليبوسيون هم أحد بطون الكنعانيين الذين بنوا القدس.
أما اليهود العرب فقد كانوا في القدس وبأعداد قليلة كما كانوا في عدد من البلدان العربية الأخرى قبل الفتح الإسلامي وبعده، ولم يكن قدومهم جماعات إلى القدس إلا متأخراً من البلدان العربية بسبب السياسات الغبية للأنظمة العربية. وأنوه هنا إلى أن اليهود العرب كانوا وما زالوا مقيمين في جبل جرزيم الذي يقع جنوبي مدينة نابلس في فلسطين ويطلق عليه اسم "جبل الطور أو جبل البركة".
ولا بد أيضاً من التنويه إلى أن هناك مغالطة سياسية ربما تكون مقصودة كما يبدو حول موقع المسجد الأقصى، فالكثير من الأشخاص لديهم صور أو مجسمات تحمل صورة مذهبة يذكر فيها آية قرآنية من سورة الإسراء جاء فيها ((سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله)) وكأنهم بذلك يقولون أن هذه الصورة أو المجسم هو المسجد الأقصى، بينما الحقيقة أن هذا المسجد أو المجسم هو لمسجد الصخرة، أما المسجد الأقصى الحقيقي فهو يقع تحت المسجد القبلي، وهناك أقاويل عدة تقول أن المسجد الأقصى هو كل ما في داخل السور.
وفي مواكبة التاريخ كانت القدس مركز الصراع ومعيار نتائجه وآخر محطاته، فهناك مواكب عديدة حاسمة في تاريخ العرب والقدس، وقف عندها التاريخ إجلالاً وإكباراً للحضارة العربية، بدءاً من الذين دخلوا القدس وهم كثيرون من الخلفاء الراشدين إلى عدد من الصحابة والمسلمين الأوائل، وكذلك دخلها الوليد بن عبد الملك يتفقد فسيفساء القبة التي بنى في المسجد الأقصى الذي يقع تحت المسجد القبلي كما ذكرت أعلاه.
ومن أهم مواكب التاريخ العربي كان منذ أربعة عشر قرناً حيث كانت مسرى النبي العربي محمد (ص)، والموكب الثاني الذي شهده التاريخ كان موكب الفاروق عمر بن الخطاب (رض) وثم موكب الناصر صلاح الدين الأيوبي، الأول حرر القدس من البيزنطيين الغزاة، والثاني رد عن القدس الحملة الصليبية الأوروبية، وما زلنا ننتظر الموكب الثالث الذي يحرر القدس من دنس الاحتلال الصهيوني.
إن الصراع حول القدس ليس صراعاً حول قطعة أرض، بل عن تاريخ وحضارة ومفهوم ورسالة رمز وكرامة وعرض.
فهل ستبقى القدس بأيد الصهاينة أم تعود القدس عربية، مدينة للسلام وتفتح ذراعيها لكل من يسعى إلى الله عابداً. هذا هو محتوى الصراع الذي نواجهه. بالطبع نكرر ونتساءل متى يأتي الموكب الثالث ليخلص قدس السلام والمحبة قلب فلسطين العربية؟

ملاحظة:

نشر المقال هنا.

هناك تعليق واحد:

فؤاد الحاج يقول...

عشت سالما زميلي العزيز وصديق أيام الزمن الجميل في عراق الحضارات والتاريخ عسى تعود الأيام فتجمعنا بعد تشريدنا على أرصفة الاغتراب
أيها الحر الشريف مصطفى كامل لك أطيب التحيات
أخوكم
فؤاد الحاج

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..