موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الاثنين، 10 ديسمبر 2012

دور الرموز في حياة الأفراد والمجتمعات


 القس لوسيان جميل
أعزائي القراء! عندما كنا ندرس الفلسفة اليونانية القديمة، وتحديدا عندما كنا ندرس فلسفة ارسطو المسماة بالفلسفة الواقعية، تعلمنا منها فيما تعلمنا، ان الانسان حيوان ناطق، حيث تدل كلمة الحيوان على الفارق النوعي Différence générique في حين تدل كلمة الناطق على ما يسمى بالفارق الجوهري الذي يميز الانسان عن الحيوان  Différence spécifique. علما بأن ما يميز الانسان عن الحيوان، في فلسفة ارسطو وفي كل الفكر المدرسي التقليدي هو تمييز جوهري "كيفي" وليس تمييزاً "كمياً". 



في ايامنا، لم نعد نتكلم، غالبا، مثل ارسطو والفلاسفة القدماء، ولا حتى مثل الفلاسفة المحدثين والمعاصرين، لكننا نتكلم بشكل اساسي من خلال الأنثروبولوجيا وسائر العلوم الانسانية الأخرى التي تقول لنا علميا ان هناك فارقا " كميا " اساسيا شاسعا بين الانسان والحيوان، دون ان يرقى هذا الفارق الى مستوى الفارق النوعي، كما لن يكون فارقا جوهريا الا من باب المجاز. علما بأن الفارق النوعي الانثروبولوجي العلمي هذا يشمل كل حياة الانسان، وأن " اللغة " تشكل الفارق الأوسع والأدق من كل الفوارق الأخرى التي تقع ضمن ما يسمى البنى العليا للإنسان. 

اللغة والرموز الأخرى:
في هذه الفقرة قد يقول لي قائل: انت وضعت عنوانا لموضوعك يخبر القارئ بأنك تريد ان تكلمه عن الرموز  Les symbolesوعن دورها في حياة الأفراد والمجتمعات، فلماذا يا ترى تبدأ كلامك بفقرة مطولة عن اللغة وحالاتها؟ ونجيب السائل بأننا نفعل ذلك من باب معرفة ما هو غير معروف عن طريق ما هو معروف اكثر. فاللغة تقودنا الى معرفة عالمنا وكذلك الرموز، غير ان معرفتنا بوظائف اللغة، هي اعمق من معرفتنا بوظائف الرموز، ولذلك نستخدم ما نعرفه عن اللغة لكي نستنتج من خلاله حقيقة الرموز وطبيعتها، بأشكالها المختلفة. فالرموز في الحقيقة هي الأخرى شكل من اشكال اللغة، في حين ان اللغة نفسها هي ايضا شكل من اشكال الرموز، لكنه الشكل الأوضح، والشكل الذي حظي بالدراسات الأنثروبولوجية قبل الرموز. فما هي طبيعة اللغة، وما هي طبيعة الرموز، يا ترى؟

الوظائف الأنثروبولوجية للغة:
في بدء هذه الفقرة لابد وأن نخبر القارئ الكريم بأن اللغة التي سوف نتكلم عنها في هذه الفقرات هي اللغة الصوتية تحديدا، اي اللغة الملفوظة والمكتوبة، بمعناها الحصري، وليس بمعناها المجازي الواسع. غير اننا هنا لن ندخل في متاهات التحليل الانثروبولوجي المعمق، ودراسة تصرف البنى المعرفية الدقيقة Micro structures.   ولذلك فاننا سوف نكتفي بالقول بأننا مع اللغة امام ظاهرة انثروبولوجية عميقة وعظيمة الشأن، وأنها تتصف بالصفات الأساسية التالية:

1قدرة اللغة الميتافيزيقية: بما ان اللغة تعبير معرفي عن المفاهيم  Notionsوالفكر Idées التي يكونها الانسان في بداية العملية المعرفية لنفسه، فهذا يعني قدرة البنى المعرفية على تحويل " الأشياء " بماديتها الى فكرة، متحررة من المادة نوعا ما، كما يعني قدرة الانسان على تحويل العالم المادي شيئا فشيئا الى عالم انثروبولوجي ( انساني ). وقد يكون أمرا معروفا، تأكيدنا على وجود فلسفات كثيرة، حديثة وقديمة، حاولت وتحاول تقديم فهم لهذه الحقيقة المعرفية الأنثروبولوجية، حتى لو لم تكن اية فلسفة من هذه الفلسفات تستطيع ان تقول لنا الحقيقة كاملة في هذا المجال، بكونها فلسفة وليست علما. فسقراط يتكلم عن المعرفة، وأفلاطون والفيلسوف الكبير ارسطو ايضا، كل على طريقته الخاصة، اما اللاهوتي الكبير والفيلسوف الوارث لفلسفة ارسطو، فيعتقد مثل ارسطو بان الفكرة ليست موجودة في عالم المثل الأفلاطوني، لكنها موجودة في الأشياء نفسها، وبالنتيجة يكون على الانسان، بواسطة ما يسميه توما الاكويني العقل الفعال Intellect agentان يجرد الفكرة عن ماديتها ويستخلصها عن حاملها، ليتحول الشيء المادي الى فكرة تمثل ماهية وحقيقة الأشياء، وان كان ذلك ذهنيا. وقريبا من توما الاكويني، نجد فلسفة كانت تتكلم عن الماهية ( الفكرة ) على طريقتها الفلسفية الخاصة: الذات التراسندانتالية او الذات المتعالية، او الذات المتجاوزة، او الذات النقدية، كما سماها بعضهم. وللفلسفة الظاهراتية او الفينومينولوجية رأي في هذا الموضوع، هو اقرب الى العلم من الفلسفة. اما ديكارت اول الفلاسفة المحدثين فقد قطع شوطا كبيرا في تبيان حقيقة الفكرة ومنشئها عند الانسان، معتبرا اياها موجودة في طبيعة الانسان بالولادة Innée. هكذا نرى اذن كيف تتفق الأنثروبولوجيا مع غالبية الفلسفات المعرفية Epistémologique على ان للقوى العقلية قدرة على تحويل العالم المادي الى عالم ميتافيزيقي بحسب نظرة بنيوية واضحة، هذه النظرة التي ترى في المادة بعدين اساسيين: بعد المادة نفسها وبعد الفكرة، او الماهية بحسب الفلسفات القديمة، هذه الفكرة او الماهية التي لا تنفصل عن المادة وانما تتميز عنها تمييزا ذهنيا حسب، مما يتيح للفكرة ان تنتقل من شخص الى آخر، ومن شخص الى خطاب او الى كتاب. علما بأن وجود القدرة التحويلية الأنثروبولوجية عند الانسان هي التي جعلت الانسان ان يكون انسانا متميزا عن العالم المادي، وأن الحرمان منها كان سيبقي الانسان في حالته الحيوانية، تماما مثلما كان يحدث للإنسان لو لم تكن هناك ظاهرة الضوء وظاهرة الصوت اللتين اماطتا اللثام عن الوجه المرئي وعن الوجه المرئي للعالم. 
2 – اللغة كقدرة علاقةوتملك: غير ان قدرة المعرفة وقدرة تحويل العالم المادي الى عالم انساني، لا تفسران لنا لوحدهما سبب تكوين اللغة عند الانسان، ولا سبب انعدامها التقريبي عند الحيوان. ففي الحقيقة ان القدرة الميتافيزيقية ما كان يمكن ان تكون موجودة لولا ان المعرفة نفسها، وبالتالي اللغة، موجودة لتمكين الانسان من ان يتعرف على عالمه، بكل ابعاده، من اجل ان يقيم " علاقة " Relation مع هذا العالم، وبالتالي ان يسيطر عليه ويتملكه، " كحاجة " يوفرها له العالم المادي، لكي يبني بها حياته الانسانية كلها، اعتمادا على التراث اللغوي كله، وعلى البناء الفكري المستجد في العالم، وفي حياة كل انسان، حيث ان كل فكرة جديدة تدخل  عالم الفرد تعد كشفا جديدا وتمهد لعلاقة جديدة مع العالم المادي والعالم الانساني الواسع، هذا العالم اللامتناهي في عمقه ووسعه، في حين تبقى علاقة الحيوان، حتى الفصائل الكبرى منه، علاقة مع صورة حسية للأشياء المطلوبة، ولا ترقي الى درجة التحرر الميتافيزيقي من المادة. 
3 – اللغة كقدرة اتصال انساني: من الواضح ان كلمة اتصال قريبة من كلمة العلاقة، ومع ذلك هناك نوع من الفارق في التخصص. فنحن هنا نستخدم مصطلح علاقة، لتعني خصوصا علاقة الانسان ببيئته من اجل التعامل الحياتي معها، في حين اننا نستخدم في هذه الفقرة كلمة اتصال لتعني اتصالا بين الفرد البشري وبين الأفراد الآخرين، او بين هذا الفرد نفسه وبين المجتمع الانساني، هذا الاتصال الذي نعده السبيل الحقيقي الى اكتمال بناء الانسان لذاته، وبناء المجتمع لنفسه، وفق ثلاث مراحل هي مرحلة الابداع الحضاري المادي والروحي ومرحلة الحفظ التدريجي لما تم ابداعه، ثم مرحلة اقتباس وتسليم المخزون المعرفي الى الآخرين المحتاجين اليه. علما بأن الانسان يبني لغته بالتواكب والموازاة  مع ما ينتجه من حضارة، فتكون النتيجة هكذا: حضارة تبني لغة ولغة تبني حضارة وهكذا دواليك، كما هناك نتيجة اخرى وهي ان اللغة تصير الوسيلة الضرورية لتسليم الفكر الحضاري للآخرين ولاستلام فكرهم الحضاري منهم، بنوع من المقابسة الحضارية بين البشر: افرادا وجماعات اجتماعية.

طبيعة وظيفة الرموز:
لكي نتكلم عن طبيعة الرموز وعن ماهيتها كلاما دقيقا، حتى وان لم يكن كلاما مستفيضا، ونظرا للعلاقة القائمة بين اللغات والرموز، سوف نكتفي هنا بالقول بأن اي تحليل للغة وللرموز يظهر بينهما تماثلا قويا ويبين ان كل ما اتينا الى ذكره عن اللغة في الفقرة اعلاه ينطبق على الرموز تماما، على الرغم من التباين الموجود بين طريقة أداء اللغات  وطريقة اداء الرموز الأخرى لوظائفها، هذا التباين الذي لا يوجد بين اللغات والرموز الأخرى فقط، لكنه يوجد بين الرموز جميعها.

وحدة اللغات والرموز:
بعد هذا لا يبقى بيدنا سوى ان ندمج جميع الرموز مع بعضها، سواء كانت رموز الكلمات القاموسية وما تعطيه من تعريف، او كانت رموز النصوص التي تأتي على شكل قراءات او خطب او كتب وملازم، وسواء كانت هذه النصوص نصوصا موضوعية وعلمية او كانت نصوصا وجدانية وقصصية مختلفة، او حتى لو كانت نصوصا اسطورية او نصوصا دينية. وعلى الرغم من ان رموزا كثيرة ليست لها لغة لفظية الا ان هذه الرموز تعد هي الأخرى رموزا ناطقة، وإلا لما كانت تعد بين الرموز، سواء كانت هذه الرموز رموزا لأعضاء معينة في جسم الانسان، مثل العيون والقلب وغير ذلك، او كانت تحفا فنية من صنع الطبيعة او من صنع الانسان، او كانت اماكن وبنايات مقدسة وهياكل تتحول الى رمز مقدس بسبب دورها الراهن او التاريخي في حياة الانسان، او كانت نماذج وأشخاصا بشرية قد نفرد لها يوما موضوعا خاصا.

الفوارق بين الرموز
من البديهي ان صفة التماثل  Analogie والتي تقول بوجود عامل مشترك بين اللغات وبين الرموز تقول ايضا بوجود فوارق وتنوع بينها، من حيث أداء كل من اللغات والرموز لوظيفتها الخاصة. فنحن نجد فعلا فرقا بين رمز ورمز، مثلما نجد فرقا بين لغة صوتية وأخرى، لكننا، على العموم، يمكننا ان نكلم عن فارقين اساسيين بين جميع الرموز، يقسما الرموز الى رموز تشير الى أمور موضوعية Objectifs والى رموز تشير الى أمور وجدانية ذاتية وتدل عليها. فالرموز الموضوعية، وكما اسلفنا، هي التي تقوم بتحويل المادة الى فكرة موضوعية يمكن التعامل معها والاستفادة منها في الحياة، ومنها رموز اللغات ونصوص علمية في الفيزياء والكيمياء وفي التاريخ وفي سائر المواضيع العلمية التي تفيد الانسان فائدة عظيمة. اما الرموز الوجدانية فلا تحول المادة نفسها الى فكرة، لكنها تشير بماديتها الى مكامن الروح حيثما وجد في خضم الحياة، كما تشير الى تقلبات النفس البشرية في كل زمان ومكان، والى كل ما هو شريف ومقدس عند الانسان، فردا او جماعة. اما سر قدرة الاشارة هذه فيعود الى الظاهرة البنيوية لجميع الرموز: للرموز الصوتية وغير الصوتية، وللرموز الموضوعية كما للرموز الوجدانية حيث يشير مبنى الرمز المادي والحضاري الى ما هو روحي في معناه غير المنظور.

مهمات الرموز الثابتة والمتحركة:
لقد عرفنا من خلال موضوعنا هذا ان حاجات الانسان متعددة تعدد الأفراد والمجتمعات وتقلبات الزمن، كما عرفنا ان الرموز تجعل حاجات الانسان هذه، سواء كانت حاجات مادية ام حاجات انسانية روحية، في متناول يده وتحت سيطرته، بعد ان يعمل الانسان المجهود الكافي للحصول على حاجاته المذكورة. ولذلك لا نستغرب ان تكون الرموز التي تخدم معرفة الانسان بحاجاته متعددة بتعدد هذه الحاجات عينها، ومتحركة عبر الحضارات والأجيال، على الرغم من وجود شيء من ثبات نسبي في كل الرموز. كما لا نستغرب اذا ما رأينا ان الرموز المتحركة العديدة من التي تظهر على الساحة البشرية وتقود ظاهريا مسيرة البشر الانسانية، بكل ابعادها، ان تكون كثيرة ومتنوعة ومتفاوتة في قوتها، غير اننا نفهم ايضا ان الكثرة في منطق المنظومة البشرية لابد وأن تصعد وترنو الى الوحدة، اي الى الرموز الثابتة المعيارية: الحق والخير والجمال، اذ لابد للكثرة، وهي تتصاعد، ان تلتقي اخيرا في الواحد: الرمز المثالي الأول المطلق، الذي بعده لا نفتش عن رمز آخر يسبقه ويتقدمه، حتى وان كان هذا الواحد يحمل ابعادا كثيرة لا تؤذي وحدته بل تغنيها وتحددها. علما بأننا لا نرى ضيرا في ان ينقلنا هذا الواحد المطلق الانثروبولوجي الى الواحد السماوي، الذي نسميه الله، سواء بشكل ايماني او بشكل فلسفي او بشكل معتقد. حينئذ نقول اننا نصعد الى الله، نوعا ما، من الجزئيات الى الواحد المطلق، كما تقول بذلك كل المنهجيات المعرفية العلمية التي تطلب ان تأتي المعرفة من المعلوم الى المجهول والسري، وليس على العكس من ذلك.
    
الرموز الثابتة المعيارية:
في الفقرة السابقة قلنا ان كثرة الرموز التي نجدها في الحياة الانسانية تتطلب ان يكون هناك رمز واحد تعود اليه جميع الرموز الأخرى، ومنه تأخذ كل ايجابياتها المحدودة والنسبية. وفي الحقيقة لم اكتشف الا في هذه السنة بأن ثابت الحق والخير والجمال الذي نجده في الفلسفة الأفلاطونية يمكن ان يكون هو نفسه ثابتا انثروبولوجيا ايضا، يتمتع بالثبات والوحدة والمطلقية، على الرغم من تعدد ابعاده، بحيث نستطيع ان نرى الديمومة والاستمرارية في هذا الرمز الثابت والمطلق عبر الزمن.  ولكن قد يقول قائل: ترى اية علاقة نجدها بين هذا الرمز الثابت والرموز المتحركة الأخرى؟ ونجيب بأن الرمز الانثروبولوجي الثابت هو رمز نموذجي ومعياري، منه تأخذ الرموز الأخرى نموذجيتها، ليس فقط عن طريق المقابسة، ولكن خاصة عن طريق ما يسمى بالمشاركة Participation، اي مشاركة الانسان المؤهل في بعض صفات النموذج، او في جميعها. ويقينا ان المشاركة المذكورة تتم عبر ظاهرة أخرى هي ظاهرة النموذج الذي يتحول الى هدف نهائي Omégaيتجه نحوه الانسان الذي قطع شوطا بعيدا في العمق الروحي والتأمل، لكي يصير هذا الانسان الروحاني النموذج هو نفسه هدفا ورمزا يسعى اليه كل من يحتاجه ولا يستطيع ان يذهب مباشرة الى هدف الحق والخير والجمال، ويأخذ حاجته منه. حينئذ يقال ان ما هو نسبي يشترك فيما هو مطلق، كما يحدث ان يشعل صف من المصلين من شمعة واحدة وبالتسلسل جميع شموع المصلين. وعليه نقول: ترى اليس هذا هو الانسان: نفس واحدة ترتفع وترفع معها كل من يريد ويقبل ان يرتفع؟ ومن منا في حياته يبدأ من الصفر في كل اوجه حياته دون مساعدة الرموز والقدوات في الحياة؟

النهاية:
وهكذا نرى في النهاية كيف ان عالم الانسان لا يقدم لساكنيه ما يقوم بأود الجسد فقط، لكنه يقدم لهم ما يغذي ارواحهم ويزيدها غنى روحيا وعمقا، على المستويين الفردي والاجتماعي، المحلي والعالمي، كما هو مفروض. وبعد هذا نرى كم ان البشر مدينون لرموزهم الثابتة والمتحركة، الكبيرة منها والصغيرة، التي تجر حياتهم الى انسانيتها العميقة. فالبشر بحاجة الى النحات والرسام والموسيقي والشاعر وراقص الباليه ومتسلق جبال هملايا والمصلح الاجتماعي والسياسي الصالح، والقديس والنبي وغيرهم، كل بحسب مواهبه والحضارة التي يعيش ضمنها، وما يملكه من ايجابيات الحق والخير والجمال الواقعية.  

الرموز الحية والرموز الميتة:
فإذا ما تمكنت الرموز من القيام بوظيفتها هذه حينئذ نسمي هذه الرموز رموزا حية وناطقة، كل رمز على قدر قوة تأثيره في الانسان. اما اذا عجزت الرموز عن القيام بوظيفتها بسبب تقادم الزمن عليها مثلا او بسبب انتفاء حاجة الانسان اليها، حينئذ يمكن ان تسمى تلك الرموز بالرموز الضعيفة والميتة والرموز الخرساء الجامدة، او نسميها احيانا بالرموز التراثية التي لا تستطيع ان تقدم لبعض الناس سوى خدمة تراثية اعتباطية وقسرية ايضا. ويقينا، يمكننا بعد هذا ان نقول، بأنه اذا كانت الرموز التي تسير حياة الانسان نحو انسانيته العميقة رموزا حية فان الانسان الذي يتعامل مع هذه الرموز يكون انسانا حيا بحياة رموزه هو الآخر، سواء كان هذا الانسان فردا او مجتمعا، اما اذا كانت الرموز التي يتعامل معها الانسان رموزا ميتة فان هذا الانسان يموت مع رموزه، وهو بعد على قيد الحياة. والرموز، في الحقيقة تفتح للإنسان باب الحياة الانسانية، لكي يستطيع ان يصل الانسان الفرد او المجتمع الى العمق الروحي المؤهل له، سواء اتت له هذه الأهلية من حسن طبيعته الخاصة، او من اجتهاده الشخصي، او من الاثنين معا، في حين ان الحرمان من تأثير الرموز يقود الى حياة سطحية لا عمق فيها. اما من يركض وراء رموز منتهية الصلاحية ( اكسباير ) وميتة او في حالة سبات عميق، فانه سوف يموت مع رموزه التي لا تفيده كثيرا، اللهم الا اذا كان ذلك للتعصب وللانتماء الأعمى لتقاليد طائفية او قومية منتحلة، لا خير فيها سوى لتثبيت بعض الناس في رجعيتهم وتقاليدهم التراثية الميتة، خدمة لمصالح اقوياء العالم الذين لا يروق لهم تحرر الضعفاء من أسمالهم البالية.  


ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..