موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الثلاثاء، 13 مايو 2014

عجائب البريد الرئاسي

وجهات نظر
توفيق ربّاحي
عشت طفولتي في بلد ينتج ويوزع صحيفتين، ‘المجاهد’ باللغة الفرنسية و’الشعب’ باللغة العربية. وبين حصص الدراسة كنا نستمتع بقراءة الأولى لأن أخبارها الرياضية جيدة، وبالثانية لأن صفحات التسلية والكلمات المتقاطعة فيها أفضل وأسهل. بيد أن ‘الشعب’ تميزت عن شقيقتها بصفحة ‘بريد القراء’ التي تنشر يوميا عشرات الرسائل المحمَّلة بهموم الناس ومشاكلهم في العمل ومع الإدارة والمحيط.

كنا نقرأ الصفحة كأنما نبحث عن ذواتنا أو مشاكلنا فيها. لاحقا، ومع صدور صحف أخرى كثيرة، ومع تعدد مشاكل الناس وتنوعها، أصبح لأغلبها صفحات القراء، لكنها أخذت منحى الشكوى مباشرة إلى رئيس الجمهورية، بغض النظر عن حجم ونوع المشكلة، فيقرأ المرء يوميا عشرات الرسائل كلها تحت عنوان واحد: رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية.
لا أحد يدري لماذا وكيف ظهر فجأة أسلوب مخاطبة رئيس الجمهورية. تفسيري لهيمنة ذلك النوع من الرسائل أن الناس لا يثقون في المسؤولين الآخرين، فيتجهون مباشرة إلى الرئيس. وأيضا لا يثقون في مصالح الرئاسة التي تستقبل البريد ويـُفترض أن ترد على أصحابه، فيفضلون أسلوب ‘نشر الغسيل’ أمام الملأ. وبطبيعة الحال لا توجد دراسات أو معلومات عن الرسائل التي يحملها البريد إلى مكتب الرئيس. كما لا توجد معلومات حول مدى تجاوب الرئيس أو الرئاسة مع استغاثات الناس، إن عبر الصحف أو بالمراسلة الشخصية. فيبقى كل شيء تقريبي.
كانت الرسائل المفتوحة إلى رئيس الجهورية تثير فضولي، وتكرس لدي انطباع بأن الناس يبالغون بتوجههم إلى رئيس الدولة بسبب خلاف مع شرطي أو مع رئيس البلدية. هذا الانطباع بدَّده كتاب صدر هذه الايام في فرنسا للصحافية ساندرين كومبيس عنوانه ‘سيدي الرئيس أكتب لك اليوم’، وموضوعه البريد الذي يصل إلى مكتب الرئيس فرانسوا هولاند من عامة الشعب الفرنسي. ويكشف الكتاب أن مكتب ‘مصلحة المراسلات الرئاسية’ يصلها ما بين 800 و1000 رسالة يوميا، كلها موجهة للرئيس. ويشتغل على هذه المراسلات فريق من ستة وثمانين شخصا، والفريق ملزم بالرد على كل الناس في ظرف ثمانية وأربعين ساعة.
يكشف الكتاب عن طرائف وأسرار، من حق العاملين في ‘مصلحة المراسلات الرئاسية’ الافتخار بأنهم ينفردون بها ولا أحد غيرهم يعرفها. الفرنسيون، أو الذين يكلفون أنفسهم عناء مخاطبة الرئيس بالمراسلة الشخصية، خليط من الحمقى والورعين ومن تبلغ ثقتهم في مؤسسات الحكم ببلادهم مستويات تقترب من الخيال. هنا نماذج مما هو مطروح على رئيس خامس قوة اقتصادية وعسكرية في العالم:
ـ مواطن يشتكي من أن والدته تضايقه بإلحاحها عليه كي يتزوج لأنه بلغ الثامنة والثلاثين وباتت تخشى على مستقبله (لا بد أن في هذه الوالدة الكريمة عرق عربي!).
ـ آخر يوبخ رئيس دولته لأنه لا يقدّر حجم الخطر الذي يشكله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على مستقبل فرنسا، فيقول في رسالته إنه يراه قادما على رأس جيش مستهدفا فرنسا.
ـ ثالث يشتكي من أن زوجاً وزوجته في ريعان شبابهما استأجرا الشقة الأقرب إليه في العمارة. المشكلة أنهما آهات ممارسة الحبّ في وقت متأخر تثير كلبه، فيبدأ في النباح.
ـ آخر يراسل الرئيس طالبا أن يُمنَح وسام جوقة الشرف لأنه يركض مسافة محترمة يوميا وحقق إنجازا بوصوله في المرتبة 345 في أحد الماراثونات.
ـ واحد يهدد الرئيس بالقتل فيقول: بسببك أصبحت فرنسا مسخرة العالم. سأصفِّيك.. أعرف أنك تمشي مع كلبك في شارع ‘فوبور سانت أونوري’ مساء كل يوم جمعة. سأنتظرك هناك.. لا تخف، رصاصة واحدة تكفيك، سيكون الأمر سهلا وسريعا ولن تتألم كثيرا.
علينا أن نتوقع أن الوجه الآخر للقطعة هو نصيب وافر من الرسائل الجادة التي تحمل مشاكل تحتاج إلى حلول جادة، وإني على ثقة من أن مكتب الرئيس الفرنسي لا يقصّر مع الناس. أستمد ثقتي من تجربة ‘محمد’، أحد أقاربي، وقد غيّرت رسالة من مثل ما يصل إلى مكتب هولاند حياته رأسا على عقب. كان من ذوي الاحتياجات الخاصة، فعاش سنوات من طفولته في فرنسا، ثم عاد مراهقا فوجد في الجزائر حياة ضنكة تهد أقوى الأصحاء، في انتظاره. بعد معاناة طويلة وضعته على حافة الانهيار، استعاد قليلا مما تعلمه في فرنسا فأرسل رسالة إلى مكتب وزير الخارجية الأسبق دومينيك دوفيلبان يشتكي حاله مع إشارة إلى ماضيه في فرنسا. ما هي إلا أيام معدودة حتى فتحت أمامه أبواب فرنسا من جديد، وهو اليوم يعيش عزيزا مكرما في غرونوبل.
ألهب ما نـُشر عن الكتاب مواقع التواصل الإجتماعي في فرنسا، ومالت الكفة نحو السخرية من هولاند الذي عجز عن جعل أغلبية مواطنيه يحبونه. بعض الذين راسلوا الرئيس اعترضوا على نشر أسرارهم. سيدة تقول أنها راسلته تشتكي من البطالة التي يعيشها أولادها رغم مستواهم التعليمي الجيد، فردّ عليها مكتبه ناصحا بأن يسجلوا أنفسهم في أقرب مكتب يد عاملة إلى سكناهم!

ملاحظة:

نشر المقال هنا.

ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..