موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الثلاثاء، 26 مارس 2013

جريمة تاريخية ومجرمون مازالوا طلقاء


مثنى عبدالله
سيل من المقالات والتحليلات السياسية انهمرت في كل الساحات الاعلامية تتحدث عن هذه الذكرى.
كانت أقلام عربية وأجنبية محسوبة على الامريكان وحلفائهم اعتبرته خطأ قد حصل لا أكثر، بل يغطون رؤوسهم بالرمال ويقولون بأن المتحقق على الارض العراقية قادر على محو الخطأ أو التكفير عنه.
بعض الكتابات والتصريحات كانت اعترافات بالخطيئة انطلقت من بعض رموز الغزاة، وعلى رغم أهميتها لكنها، يقيناً، لن تعيد حياة بريء قتل على قارعة الطريق، أو مهجَّر في ديار الغربة يعيش على المساعدات بينما كان كريما في دياره. 

كان الغزو صفقة سياسية وأقتصادية لعراقيين وعرب وأجانب.
ما زلنا نذكر قادة عسكريين وسياسيين عراقيين كانوا يتزاحمون في الفضائيات عشية الغزو، محملين بالحقد الاعمى على كل ماهو عراقي فقط لأنهم أختلفوا مع النظام السياسي. بعضهم يعطي استشارته الى قوى الغزو كيف تضرب وأين تضرب على طول وعرض الخارطة الجغرافية لوطنهم، بعد أن استفرغوا كل ما في بطونهم من أسرار عسكرية وسياسية على موائد المخابرات الاجنبية، والآخر يبشر بالمدينة الفاضلة التي سيصنعها بالتعاون مع الغزاة على أرض العراق.
كانت صحف عربية في داخل الوطن العربي وخارجه تسوِّد صفحاتها كل يوم بعشرات المقالات والتحليلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لشيطنة كل شيء جامد أو متحرك في العراق كي يصبح هدفا مشروعا لضربة جوية، ولايهم أن كان ذلك مصنعا لحليب الاطفال أو مستشفى أو مدرسة أو بناية جامعة أو منبرا حضاريا، بينما تجهد أجهزة المخابرات العربية في لم كل متسكع على أرصفة شوارع الغرب، كي يأتي ويصطف في طابور المعارضة مقابل بضع دولارات.
أما الغرب وصحافته ومؤسساته وحكوماته الديمقراطية فقد كانت تعمل ليل نهار في صناعة الوهم.
كانت دموعهم الكاذبة تسيل على حقوق الانسان في العراق، بينما كانت أجهزتهم العسكرية والاستخباراتية ومراكز بحوثهم النفسية في حالة استنفار قصوى، كي تجعل من العراقيين الابرياء حقل تجارب لكل سلاح جديد، وتبتكر الوسائل الوحشية واللاأخلاقية لاستدرار الاعترافات، كي تنتصر خطة الصدمة والترويع.
كانت كذبة كبرى شارك الجميع فيها بعد أن وقع الخيار على العراق كي يكون مسرحا لإستعراض القوة التي تبحث عن رد الاعتبار بعد هزيمة الحادي عشر من سسبتمبر. كان اختياره لاسباب جيوستراتيجيته بسبب موقعه وأهميته في المنطقة التي تشكل محيطه، كما كان أيضا لاسباب تخص تركيبة النفسية العراقية التي جبلت على عداء الكيان الصهيوني، وعلى حب العروبة والانفتاح على كل المحيط العربي والبحث عن القوة التي في صالح الامة. فكان الوطن مسرحا لقوى كبرى باتت بحاجة الى استعراض عضلاتها، وقوى صغرى تسعى لاظهار أهميتها كي تجلب نظر الآخرين الى استعدادها للعب أدوار بالانابة مقابل مصالحها، بعد أن وعت بأن العالم بات يتشكل من جديد على أعتاب الغزو.
الكل قد ربحوا مما جرى وحصلوا على مصالحهم من دمائنا وثرواتنا ومستقبل أجيالنا، وبتنا نحن الوحيدين حطباً يومياً لنار موقدة في كل مدن وأحياء وقرى الوطن، تستعرضنا نشرات الاخبار ببرودة أعصاب متناهية، وتصور الكاميرات أشلاءنا التي انتشرت بفعل انفجار حدث هنا أو هناك.
الغريب أن البعض ما زال مصرا حتى الآن على الحديث عن النظام السابق، واحتلال الكويت وأسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان، لإقناع الاخرين بصحة الغزو وتشكيل ثقافة أن كل ما يأتي من الخارج هو في صالح الامة على اعتبار أنه النموذج الاوحد، وبذلك فهم يبتعدون كثيرا عن الاشارة الى الوضع الحالي برغم كوارثه الانسانية، التي كانت سببا رئيسيا من أسباب الغزو. أن كل عراقي بحاجة اليوم الى كل تلك الاصوات التي دفعتها مصالحها القومية أو الشخصية أو حقدها الفئوي والتحزبي والسلطوي والطائفي، كي نسمع مبرراتها لما حدث منذ عقد من الزمن والذي مازال يحدث يوميا في العراق. إننا بحاجة الى شجاعة الكلمة والموقف من ضباط عراقيين، كانوا يخرجون من قناة فضائية كي يدخلوا أخرى يعطون على الهواء إحداثيات المواقع العسكرية لبلدهم، مقترحين أن تكون الضربة الجوية لطيران الغزاة في هذا المكان أو ذاك ، ثم هربوا من البلد الذي حرروه كما قالوا وعادوا الى المهجر الذي كانوا فيه قبل الغزو. نعم نحن بحاجة الى سماع تبريراتهم لما صنعوا وأن يعترفوا بمسؤوليتهم عن كل قطرة دم أريقت، بنفس الشجاعة العسكرية التي سطروها في كتب بطولاتهم في الحرب العراقية الايرانية، أو حرب العام 1973 ضد العدو الصهيوني، وبنفس الحماسة التي يطلون بها اليوم علينا عبر الفضائيات شاتمين حكومة الاحتلال ولاعنين الطائفية. 
أيضا نحن بحاجة الى اعترافات كل السياسيين الذين يتنصلون اليوم من مسؤوليتهم عن حال البلد، ويجهدون أنفسهم في بيان علاقات زملائهم السابقين المشبوهة بالمخابرات الغربية. فهم اليوم يحاولون إيهام العامة بأنهم معارضون للنظام الحالي، بينما الحقيقة أنهم اختلفوا على الحصة التي تحاصصوا عليها، وعلى مصالحهم الشخصية والعائلية والحزبية، ومع ذلك فقد باتوا من أصحاب العقارات والارصدة في الخارج بعد أن كانوا يعيشون على الاعانات الاجتماعية.
أما الحكام العرب الذين أنفقوا مليارات الدولارات على مؤسساتهم الاعلامية المسموعة والمقرؤة والمرئية، وعلى تحضيراتهم على أراضيهم لاستقبال قوى الغزو وحشدها في فعل جبان، فعليهم الاجابة على السؤال الكبير الذي يسأله التاريخ لا نحن، وهو ما الذي جنته الامة من غزو العراق؟ وهل بات العرب أكثر أمنا بعد أن صادرت إيران ارادته السياسية والامنية؟ وهل أضحى حقنا في فلسطين أكثر قربا في التحقق أم بات أكثر بعدا مما كان، بعد أن أمنت أسرائيل زوال خطر العراق عليها؟ وهل مازال العراق عمقا استراتيجيا عسكريا وأقتصاديا وأمنيا لأمتنا العربية؟
يقينا ستكون كل الاجابات سلبية على هذه الاسئلة وعلى غيرها، لأن العراق بات في خانة اللادولة التي فقدت كل عناصرها ولم تعد قادرة على احتكار عناصر القوة بيدها. وعندما تفقد الدولة شرعية احتكار القوة تصبح حركتها متعددة وفي اتجاهات متعاكسة، وتغيب وحدة الهدف في سياساتها فتطيش سهامها في كل اتجاه. حتى العدو المؤكد يصبح صديقا لطرف ضد آخر في التشكيلة السياسية، وهو ما نراه اليوم في مجمل السياسات العراقية.
هل انحاز النظام الرسمي العربي الى عواطفه في تسهيل غزو العراق على حساب منطق العقل؟
نعم هذا هو الذي حصل، فكانت الاحقاد السلطوية وسطا جيدا لنمو فكرة التكاتف بين العربي والاجنبي ضد العراق، على الرغم من جوهرية الدور الذي يلعبه هذا البلد في المصير العربي والهوية العربية. لذلك عندما ضاعت الهوية في العراق وتشرذمت الى هويات صغرى، بتنا نسمع صداها اليوم على مجمل الساحة العربية. ان الغالبية التي أجمعت على أن الغزو جريمة كبرى، نقدر تماما قولة الحق التي قالتها، لكن الجريمة تبقى تتناسل الى جرائم أخرى مادام الجناة الحقيقيون مازالوا طلقاء. وهذا الذي يجري على أرض العراق من قتل ودمار انساني هو نتيجة طبيعية لعدم تحقيق العدالة في القصاص من الجناة، دولاً وأشخاصاً ومؤسسات وقوى عظمى وصغرى. 
بل هل من المنطقي أن من يحكم العراق اليوم هم من الجناة بحقه؟.

ملاحظة:
نشر المقال هنا.

ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..