موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الجمعة، 13 ديسمبر 2013

الدم العربي الرخيص

وجهات نظر
نزار السامرائي
مع أن الولايات المتحدة الأمريكية تتحمل المسؤولية الأخلاقية (إن وجدت لديها أو احترمتها) والجنائية والسياسية لكل ما حل بالعراق بسبب احتلال عام 2003 وعدوان 1991، إلا أن الرئيس الأمريكي الحالي باراك حسين أوباما الذي جاء إلى البيت الأبيض بعربة الانسحاب العاجل من العراق، لتلافي المزيد من تأثيرات الكارثة التي حاقت ببلاده عسكريا واقتصاديا واجتماعيا، نتيجة حماقة سلفه جورج بوش الابن وجنون القوة الذي سيطر على مداركه فذهب إلى تسويق فكرة أنه ينفذ أمرا إلهيا بغزوه لأرض بابل، بقي عاجزا عن معالجة آثار الاحتلال والانسحاب الأمريكي للعراق فترك العراق غارقا في أزمات متناسلة أمنيا واقتصاديا مع حالة من الانقسام في المجتمع.

ومع ذلك فإن تلك المغامرة انقلبت إلى سلسلة من الأزمات داخل أمريكا على الأصعدة كافة، فبات الخروج من أرض بابل حلما يراود مخيلة المواطن الأمريكي قبل المسؤول الحكومي تداركا لما بقي لأمريكا من هيبة على المستوى الدولي بعد مرغت المقاومة الوطنية العراقية المسلحة تلك الهيبة في مستنقعات الوحل والدم وذلك وحده الذي أرغم أمريكا على الهرب من العراق وليس الزهد بثرواته وموقعه وتأثيره في المنطقة.
كما أن دوافع مجموعة من يطلقون على أنفسهم اسم الصقور بأن الحرب على العراق هي التي تغطي تكاليفها بنفسها وستكون نموذجا لحروب أمريكا التي ستخضع الشعوب لإرادتها، من دون تكلفة تثقل كاهل دافع الضرائب الأمريكي، لأن الحروب على الدول الغنية ستضمن أولا تغطية نفقات الحرب وتزيد من رصيد أمريكا اقتصاديا لكي تتحكم تماما باقتصادات العالم في القرن الأمريكي على حد ما وصف فيه استراتيجيون أمريكيون القرن الواحد والعشرين، سرعات ما غطست في أعماق الأرض العراقية وتحولت الحرب إلى كارثة اقتصادية كبرى على الولايات المتحدة.
ويبدو أن مجلس الأمن القومي الأمريكي ووزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية، توصلوا إلى هذه النتيجة مدفوعين بنتائج إزاحة الاتحاد السوفيتي السابق عن القمة الثانية لمراكز الاستقطاب الدولي، فكان هذا القياس المستند على أسس رياضية مجردة هو الذي دفع بتلك الجهات إلى تجاهل القراءات الاستراتيجية المخالفة والتي حذرت من مأزق أمريكي جديد قد يعيد إلى الذاكرة الجمعية الأمريكية ما حصل من انقسام في الرأي العام الأمريكي تجاه المأزق الأمريكي في فيتنام، فكان رد الفعل الأولي على تلك الآراء، أن الشعب الفيتنامي كان يحصل على دعم منتظم من كل من الاتحاد السوفيتي الذي كان يخوض غمار الحرب الباردة في أعتى صورها، وهي الحرب الساخنة بالنيابة، ومن الصين الشعبية التي كانت تقاتل من أجل تأكيد دورها على مستوى العلاقات الدولية، في مناكفة ساخنة مع واشنطن في الساحة الفيتنامية من أجل استرداد مقعدها السليب في الأمم المتحدة وحقها المفقود بالفيتو في مجلس الأمن الدولي.
لهذا استهانت مراكز صنع القرار الأمريكي وخاصة البيت الأبيض بما سيحصل لقواتها في الحرب، وظنت أن الأمر لن يعدو مناورة بالذخيرة الحية والتي تقبل أحيانا خسائر بشرية لن تؤثر على الهدف النهائي، لاسيما وأن ما يسمى بالمعارضة العراقية التي كانت تقف على أبواب وكالة المخابرات المركزية أو المخابرات البريطانية مقدمة خدماتها المجانية ضد العراق، وهي مجموعة ارتضت أن تؤجر خدماتها لمن يدفع أكثر، كانت قد صورت في جلساتها مع مسؤوليها في أمريكا وبريطانيا وغيرهما، أن الدبابات المتقدمة داخل الأراضي العراقية ستشق طريقها بصعوبة بالغة من فرط حرارة الاستقبال الذي ستصادفه خلال استعراضها من لحظة دخولها إلى حدود محافظة البصرة من الكويت وحتى وصولها إلى بغداد، ولأن الكومبيوتر لا يستطيع سبر أغوار النفس البشرية فقد أسهم ذلك أيضا في أكبر عملية مخادعة وقعت فيها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
جاءت أمريكا بجيوشها وظنت أن آلتها المتطورة ستفاجئ العالم بأسلحة الجيل الرابع من حروب أمريكا الساحقة، وظنت وظن معها كثيرون أن شعوب الأرض ستصحو على غد الحلم الأمريكي اللذيذ الذي سيحتضن العالم بعولمة عابرة لخلجات النفوس وطبائع البشر ومعتقداتهم ولغاتهم، وأن العالم سيقف على قدميه ويرفع قبعته عاليا من فرط إعجابه بجبروت أمريكا أو هلعا من بطش قدرتها التدميرية، ولكن هول المفاجأة التي أصابت أمريكا نفسها كانت أكبر من قدرتها على استيعاب الدرس العراقي، ولهذا بدأ الشارع الأمريكي يبحث مخرج مناسب من المأزق الاستراتيجي الأمريكي قبل فوات الأوان ليحفظ لقوة أمريكا ما بقي لها من هيبتها الدولية وتأثيراتها النفسية في شعوب الأرض، كان مجيء أوباما إلى البيت الأبيض تعبيرا عن رغبة شاملة في تلافي أخطاء (البوشين) الأب والابن وما بينهما في العراق، وليس تعبيرا عن الاعجاب بقدراته الخطابية ودفاعه عن المظلومين وحقوق الإنسان، أو اعترافا باختصاصه المبرز في القانون.
ولكن أمريكا حينما تعجلت الانسحاب من العراق، فقد تعمدت أن تنبت فيه ما توفر لها من الفتن وأسباب الاقتتال بين أبناء الوطن الواحد استغلالا لاختلافات في رؤى سياسية أو مذهبية أو عرقية، توجد في العراق كما هو شأن كل بلدان العالم التي تعيش في ظل تعددية مختلفة الأسس بحيث لا نستطيع أن نجد بلدا واحدا في هذا الزمن موحد في المعتقد الديني أو المذهبي أو السياسي أو في الأصول العرقية أو نقيا خالصا من كل الشوائب، ولأن الولايات المتحدة ومن قبلها بريطانيا كانت تعتمد في السيطرة على الأقاليم المحتلة سياسة فرق تسد، فقد تم اعتماد هذا المنهاج لإشغال العراقيين ببعضهم والبحث عن لقمة العيش والقضاء على البطالة والفقر أو الاهتمام بمتابعة ملف الخدمات المعدومة تماما، وترك الاحتلال ومن جاء مع الاحتلال في حالة استرخاء أمني ونشاط محموم في السطو على المال العام والتستر على الفساد المالي والإداري وقبض العمولات وعقد الصفقات والإثراء على حساب الوطن والمواطن.
ومما زاد من نيران الفتنة أن الولايات المتحدة سلمت العراق كجزء من صفقة بدأت ملامحها تظهر تباعا من خلال توقيع الاتفاق الإيراني مع مجموعة 5 + 1 ، فتم وضع العراق في مفرمة اللحم أو في فرن الشواء البشري وكأن ما يحصل فيه هو مجرد حقل لإنتاج اللحوم وليس مجتمعا إنسانيا يقدم في كل يوم من الضحايا أكثر مما تشهده أكثر الدول اضطرابا، هذا إذا استثنينا سوريا التي تعيش طاحونة موت مماثلة، مما يؤكد أن العالم الذي لم يعر انتباها أو اهتماما لسيل الدم المستمر في العراق وسوريا، إما موافق على ما يجري فيهما أو عاجز عن وضع حد لحمام الدم العربي المستباح.
فرنسا التي استنهض فيها غيرة مسؤوليتها الأخلاقية في بلدان أفريقيا الناطقة باللغة الفرنسية أنها كانت مستعمرات لفرنسا، ولهذا لم تستطع أن تقف متفرجة على ما جرى في مالي وما يجري حاليا في أفريقيا الوسطى، فأرسلت قواتها المسلحة لحماية المدنيين الذين قتل منهم العشرات، من دون أن يعلق الرئيس الفرنسي أولاند قراره بهذا التدخل على قرار من الجمعية الوطنية الفرنسية، بل بادر وأرسل قواته ثم دعا مجلس الأمن الدولي لمباركة التدخل (الإنساني) للقوات الفرنسية هناك، أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فقد أعرب عن قلقه الشديد لما يجري في هذه الجمهورية الأفريقية، كما أن ضمير أوباما لم يسترح وهو يشاهد الرئيس الأوكراني مصرا على التحالف مع روسيا بدلا من الذهاب إلى الاتحاد الأوربي، فيطالبه باحترام إرادة المتظاهرين، ولا نعلم أي متظاهرين يقصد؟ هل هم الذين يؤيدون الرئيس الأوكراني أم هم المعارضون له.
لا ندري ألا يثير قلق الرئيس الأمريكي نزيف الدم في العراق وسوريا؟ لاسيما وأن أكثر من 99% منه من إرهاب السلطات في البلدين والمليشيات الطائفية وهو ما يمكن أن تتم السيطرة عليه عبر القنوات الرسمية وبأدوات لا نظنها تخفى على مدارك من يجلس متربعا على عرش العالم على الرغم من كثرة التململ الروسي، فهل يتجاهل الرئيس الأمريكي ومعه قادة أوربا الدم العربي لأنه دم عربي فحسب ويسرهم كثيرا رؤيته متدفقا؟ منطلقين من خلفيات تاريخ العلاقات السلبية الذي طبع علاقات العرب والمسلمين مع دول الغرب المسيحي لعدة قرون، حتى ليخيل للمراقب أنه يرى بيارق الحروب الصليبية ماتزالترفرف داخل رؤوس هؤلاء الزعماء، حتى إذا تم إنزالها عن مكاتب الحكومات، ما يحير المواطن العربي أن العالم الذي يسمى بالمتطور أوالمتمدن أو المتحضر، يتعامل مع أهم الملفات الدولية وخاصة الإنسانية منها بثنائية وانتقائية مقيتة وأثقل على النفس من عهود السيطرة الاستعمارية بكثير ويبدو أنها امتداد لها، ولكن حقائق التاريخ القديم والقريب علمتنا أن من لا يستطيع الوقوف على قدميه معتمدا على نفسه، فلن يجد من يعطيه عكازا ليفعل ذلك.

ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..