موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الاثنين، 31 مارس 2014

خدم شعبه فكافأه بالمزيد

ملاحظة تمهيدية:
لا يتضمن هذا المقال دفاعاً عن السياسة الخارجية التركية، فهي، كما أشرت، تعاني من مشاكل جوهرية تتعلق بطبيعة الأداء السياسي وبكونها عضواً في حلف شمال الأطلسي، ولاعتبارات عديدة أخرى، داخلية وخارجية.
هذا المقال مخصص، حصراً، للحديث عن الشأن الداخلي التركي، نجاحاته وإخفاقاته، ومحاولة لتلمس آفاقه المستقبلية..


 لذا أنصح السيدات والسادة الذين يعانون من حساسية مفرطة من اسم الزعيم التركي رجب طيب أردوغان إلى عدم قراءة هذا الموضوع، أو استخدام مضاد للحساسية قبل قراءته. لأننا اجتهدنا في عرض الحقيقة كما هي لا الدفاع عن شخص ولا عن تجربة، مهما كانت أهميتها لنا كعرب وكمسلمين.

المحرر
.........

خدم شعبه فكافأه بالمزيد


وجهات نظر
مصطفى كامل
بصرف النظر عن كل ما قيل ويُقال، وبعضه صحيح وبعضه عائدٌ لعوامل موضوعية، عن مشاكل كبيرة في السياسة الخارجية التركية، فقد أصبح رجب طيب أردوغان، وحزبه، العدالة والتنمية، بدعاً في الحياة السياسية الداخلية التركية، إذ لم يردْ في ذهن أكثر المراقبين تفاؤلا، أن يتمكَّن حزبٌ لم يمضِ سوى 15 شهراً على تأسيسه من اكتساح البرلمان، والحياة السياسية العتيدة في تركيا ليتمكَّن من تشكيل حكومة منفردة. كان ذلك في العام 2002.
وتمضي الأيام وهاهو أردوغان، وحزبه، يفوز بتاسع انتخابات خاضها على مدى السنوات الماضية، بعد أن حقق نتائج مفاجئة فاقت أكثر استطلاعات الرأي تفاؤلاً.
كانت اسطنبول، وهي رأس مال تركيا، وأهم مدنها، تعاني العطش، صيفاً وشتاءً، وظلت هذه المدينة العريقة الساحرة، بملايينها السبعة عشر تعاني العطش، لعقود طويلة، حتى اذا جاء أردوغان رئيساً لبلديتها، في تسعينات القرن الماضي انتهت شحة المياه، وارتوت المدينة المقسَّمة على قارتي آسيا وأوروبا.
وكان الساسة التقليديون يعيثون فساداً وإفساداً، وتزكم فضائحهم الأنوف، فلما جاء أردوغان وحزبه، رأينا لأول مرة سياسة نظيفة، قائمة على الالتزام بمصالح البلاد والعباد.
وكان الاقتصاد التركي يتراجع يومياً، والعملة تعاني تضخماً وتدهوراً في القيمة لا نظير له، ومديونية البلاد الخارجية ترتفع كل ساعة، بل ان تركيا كانت على شفا انهيار اقتصدي مريع، حتى اذا جاء أردوغان وحزبه، استقرَّت الاوضاع الاقتصادية، وتوقف تدهور العملة، وسددت الحكومة عشرات مليارات الدولارات التي اقترضها الساسة الفاسدون من قبل، من دول العالم، وصار الأتراك، يحتفظون بعملة بلادهم في الجيوب والبنوك، وانتعشت الأعمال وأصبحت تركيا قوة اقتصادية كبرى لايستهان بها، تتبوأ المكانة السادسة عشرة بين اقتصادات العالم المتقدم بعد أن كانت قبل أردوغان في المرتبة الـ 117.
وكانت تركيا تعاني تحت حكم العسكر، الذين يديرون الأمور من وراء الستار، وكانت ديمقراطيتها مطعونٌ دولياً فيها، فلما جاء أردوغان وحزبه، وضعوا المؤسسة العسكرية في مكانها الصحيح، ورسموا خارطة طريق نحو ديموقراطية حقيقية، وهم يعدُّون لدستور مدني عصري، تحترم فيه حقوق الانسان، وتصان كرامة الأوطان.
وكانت مكانة تركيا السياسية وتأثيرها، تتراجع، بسبب لهاث الساسة التقليديون وراء الانضمام للاتحاد الأوروبي والسعي وراء سراب المصالح المتوهَّمة مع (اسرائيل)، حتى إذا جاء أردوغان وحزبه، أعادوا الاعتبار لبلادهم، وجعلوها قوة مؤثرة في المحيط العربي والاسلامي والأوروبي، حتى وإن كانت ماتزال خارج الاتحاد الأوروبي، وحتى صار التركي، يجتاز حدود نحو 90 دولة في العالم، دون تأشيرة دخول، وتطمح حكومته للمزيد.
أظهرت نتائج اخر استطلاع رأي عالمي أجراه مركز الدراسات الاميريكي PEW أن نسبة الزيادة في الرضا الشعبي من الواقع التركي تزايدت في عام 2011 عما كانت عليه في عام 2002 بـ 12 ضعفا. ففي الوقت الذي كانت نسبة الرضا العام في تركيا في 2002 تقدر بـ 4 % أصبحت في 2011 تقدر بـ 48 %.
نعم هكذا كانت تركيا في ظل ساستها التقليديين، الغارقين في فضائح النساء والخمور والقمار والفساد المالي، وهكذا أصبحت تركيا في ظل ساستها الجدد، المسلحين بعظمة تاريخهم، والمتطلعين الى غد أفضل.
لم يحدث في تاريخ تركيا المعاصر، أن تفرَّد حزب بتشكيل حكومة لثلاث مرات متتالية، غير حزب العدالة والتنمية، ولم يحدث في تاريخ تركيا، أن فاز حزب بالأغلبية في انتخابات بلدية لأربع مرات متتالية، غير حزب العدالة والتنمية، ولم يحدث في تاريخ تركيا، أن فاز حزب بإقرار تعديلاتٍ على الدستور، لمرتين متتاليتين غير حزب العدالة والتنمية، نعم لم يحدث أن اجتاز حزب لم يمضِ على تأسيسه سوى 11 عاماً، تسعة انتخابات برلمانية وبلدية واستفتاءات دستورية، وفاز فيها جميعاً، غير حزب العدالة والتنمية.
نعم، أصبح "العدالة التنمية"، بدعاً في الحياة التركية، فقد حقق هذا الشاب القوقازي الأصل، القادم من ولاية رِزه الفقيرة البعيدة على شواطئ البحر الأسود القصيّة، الذي كان يعتاش من بيع البطيخ ولعب كرة القدم في حي اسطنبولي فقير (محلة قاسم باشا)، حقَّق، مع رفيق دربه، عبد الله غُل، معجزة كبرى اسمها تركيا المعاصرة الساعية إلى التحديث بقوة، وصار علامة فارقة في تاريخ بلاده، وأجزم ان اسمه سيوضع في تاريخ تركيا الجمهورية، باعتباره نقطة فاصلة يؤرَّخ بها ومعها.
نعم لقد كانت الانتخابات البلدية التي شهدتها تركيا يوم أمس، الأحد 30/3/2014 معركة حقيقية أسقطت كثيراً من الحسابات التي كانت تتوهم أنها وباستخدام المال الفاسد، الداخلي منه والخارجي، وبالتآمر وبالتجسس المفضوح، تستطيع إسقاط تجربة "العدالة والتنمية" على الصعيد الداخلي.
نعم، صحيح جداً إن سياسة "العدالة والتنمية" الخارجية عليها كثير من الملاحظات والاعتراضات، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات مع أقطارنا العربية، ويعود سبب بعض تلك المشاكل إلى ما نوَّهنا عنه في مطلع هذا المقال من عوامل موضوعية نابعة من كون المنطقة، كلها، تمر، بمرحلة استثنائية تتحرك فيها المتغيرات بسرعة كبيرة، حتى ان أحداً لا يستطيع بناء سياسة مستقرة، وقد شهدت في ذات الوقت فشلاً لقوى كبرى دولياً وإقليمياً.
كما يعود بعض تلك الإخفاقات على المراهنة على تيار سياسي، بعينه، واعتباره أداة لمشروعه في التعامل مع الوطن العربي، وأقصد بذلك تيار "الإخوان المسلمون" بكل ما يعانيه هذا التيار من مشاكل ذاتية وأخرى موضوعية. الأمر الذي سبَّب لحكومة "العدالة والتنمية" الكثير من المشاكل في عدد من الأقطار العربية ومع عدد من التيارات السياسية فيها.
أقول صحيحٌ ذلك، لكن تجربة "العدالة والتنمية" الداخلية أثبتت، على ما يبدو، نجاحها للداخل التركي، وهي ليست بالضرورة تجربة قابلة للاستنساخ في أماكن أخرى، فلكل حالة ظروفها الذاتية والموضوعية، فما يصلح هنا قد لا يصلح هناك بالضرورة.
لقد سعت أحزاب المعارضة والقوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية، العلنية منها واللاعبة من وراء الستار، إلى إعطاء الانتخابات المحلية أكبر من حجمها وأسبغت عليها صفة المعركة في حين انها كانت يمكن أن تمرَّ بسلاسة أكبر مما جرى. جعلتها استفتاءً على المصير السياسي لأردوغان وحزبه، وقرَّرت أن تخوض حربها المكشوفة، للإطاحة به، وتشويهه وفبركة الأكاذيب، وتضخيم المشاكل الموجودة، وهي حرب استخدمت فيها أكثر الوسائل خسَّة وحقارة بما في ذلك زرع كاميرات في الحمام الشخصي في بيت رئيس الوزراء، فضلاً عن مكتبه ومكاتب رسمية أخرى.
وبسبب من الطبيعة الاستثنائية لتلك المواجهة فإن تحدي أردوغان ومناصريه وشراستهم في خوضها، ثم الاحتفاء بالفوز، كان استثنائياً أيضاً.
ولأن أردوغان لا يعلِّق حرزاً أو تميمة على رقبته، فقد تكفَّل مشروعه السياسي والخدمي في التصدي لهؤلاء الذين أسفروا عن وجوههم وأدوارهم دفعة واحدة، وقرر المواجهة بدلاً من الانكفاء الذي توقعه بعض الواهمين، في الداخل والخارج!

النتائج شبه النهائية للخارطة الانتخابية الجديدة في تركيا

نعم قرر أردوغان أن يخوض، بحزبه وبشخصه، هذه الحرب ليحقق فيها نتائج غير متوقعة، فاقت ما كان حقَّقه في الانتخابات المحلية السابقة، إذ حصد نحو 45.7 % بعد أن كان حاز في سابقتها على 38.8 %، والفرق واضحٌ، بل مهم. بل انه زاد فاقتحم بعضاً من قلاع المعارضة الرئيسة، كما حصل بفوزه بأغلبية واضحة في ولاية مثل أنطاليا، وهي من الولايات الساحلية المعروفة بولائها لحزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي.



لكن الجانب الإيجابي الذي عرضنا له لا يخفي جانباً سلبياً، فأردوغان مقبلٌ على حرب تطهير، بمعنى الكلمة، تطهيرٌ للحكومة وأجهزتها، وبعضها سيادي وبالغ الحساسية، من أدوات المشروع المضاد ليس لحزب العدالة والتنمية فحسب، بل لهيبة الدولة التركية ومكانتها، بعد أن كشفت فضيحة التجسس الأخيرة حجم تغلغل تلك القوى على نحو جعل كثيراً من الأشياء في تركيا خارج سيطرة حكومتها، وهو أمر لم يكن بالحسبان، ولا يليق بدولة مثل تركيا!
والتطهير واجبٌ أيضاً لكل مظاهر الخلل التي تشوب مسيرة "العدالة والتنمية" واقتنصتها قوى المعارضة أدوات للهجوم.
وفي الحقيقة فقد كنت من أوائل من نبَّه قبل أكثر من خمس سنوات إلى خطورة الدور الذي تقوم به جماعة (خدمة) بزعامة شيخها فتح الله غولن، المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية.
ويذكر كثير ممن كنت أحذَّرهم من خطورة تلك الجماعة، أنني كنت أستخدم عبارة (قطع الأصابع) التي تحاول التغلغل في كل مكان، بما في ذلك التسلل إلى أماكن حساسة. أما وقد فات الأوان على قطع الأصابع، أو دفع الأكف العابثة ولطمها، فإنَّ الذي يتعين على حكومة "العدالة والتنمية" القيام به اليوم هو قطع الأذرع الأخطبوطية الممتدة في كل مكان، بكل ما يترتب على ذلك من آلام وخسائر.
أن تضحي بذراع، وتستأصل امتداداته السرطانية خيرٌ من أن تخسر الجسم كله، بعد أن ينخره المرض، وأجزم ان استمرار (خدمة) في الوضع المريح الذي مُنح لها لسنوات خلت، لأسباب عدة وبعضها غير مشروع، يعني أن تركيا ستكون مجدداً رجلاً مريضاً يسقط أمام أول هبة ريح عاتية!
هذه النتائج غير المتوقعة، إلا في يقين أردوغان، يجب أن تستثمر لمرحلة التطهير ومرحلة التصحيح ومرحلة يكون الحساب فيها شديداً لمن أساء ويسيء، مع فتح الأبواب أمام مزيد من القوى الشابة المتفتِّحة المتطلِّعة لبناء تركيا ناهضة وحيوية وفاعلة في محيطها العربي والإسلامي والآسيو/أوروبي، تركيا إيجابية فعلاً.
وخلاصة القول: لقد أخلص قادة "العدالة والتنمية" لشعبهم، فكافأهم شعبهم بالمزيد، ومنحهم 45.7 % من أصواته، وتذكرة مفتوحة للمستقبل، أيضاً، بما يجعل من أبواب قصر جنكايا الرئاسي في أنقرة على اهبة الاستعداد لاستقبال ساكنه الذي سيصل إليه في آب/ أغسطس المقبل..

هناك 4 تعليقات:

Ameer A. Ameer يقول...

يبدو ان السيد كاتب المقال من المطلعين على خفايا السياسة التركية الداخلية ومن المتابعين لها، لذا ليس لنا ان نزيد سوى القول ان حب المسؤولية والاخلاص في ادائها يذلل الصعوبات ويكعل المستحيل ممكنا،،، واين ساسة العراق اليوم من هذا؟

المحرر يقول...

بارك الله بك ، لقد توصلت الى الهدف الحقيقي من كتابة هذا المقال، فهو يهدف، فضلا عن عرض موضوع الانتخابات التركية، إلى المقارنة الضمنية بين من يتحكمون بشؤون العراق اليوم وبين من يقودون البلدان المجاورة، بكل مشاكلها..

الدكتور فاروق الراوي يقول...


تحليل منطقي واقعي استقرأ واقع تركيا قبل مجبئ اردوغان ودور اردوغان في النهضة التي شهدتها تركيا خلال اكثر من عشر سنوات مضت، نعم استطاع هذا الرجل ان يفرض نفسه زعيما على الصعيدين الإقليمي والدولي ولولا بعض الهفوات في السياسة الخارجية والتأييد المطلق للإخوان في مصر لكان وضع اردوغان افضل بكثير مما هو عليه الان، ومع ذلك يبقى دور رجب طيب اردوغان قيادياً لسنوات قادمة.
كم نتمنى ان يرزقنا الله في العراق او مصر او الجزائر او اي من البلدان العربية برجل بعقلية وهمة ونزاهة وبساطة السيد رجب طيب اردوغان،

تغريد حمام يقول...

ما تقوله صحبح وان كنت اتحفظ على بعض جزيئيات وردت في ثناياه , لكني اصف ـ بأختصار شديد ـ ( اردوكان ) بباني نهضة ماليزيا ( د. محمد مهاتير ) وأشبهه به , فكلاهما نقلا ( باخلاصهما وتفانيهما وبعملهما الدئوب وبمؤازرة اعوان مخلصين لهما ولبلديهما ) تركيا وماليزيا من دول العالم الثالث الى مصاف الدول التي يشار اليها بالبنان

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..