موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

السبت، 16 يونيو 2012

النضال من أجل إنتصار الحقيقة

استذكاراً من أستاذي الصديق عبدالستار الراوي للفيلسوف الراحل رجاء غارودي، تعرض المقالة التالية ملامح من أفكار هذا الرجل الذي تنقَّل عبر سنوات حياته باحثاً عن الحقيقة من الماركسية إلى الكاثوليكية فالإسلام، الذي وجد فيه شمولية كبرى وقدرة هائلة على  استيعاب سائر الشعوب ذات الديانات المختلفة.




النضال من أجل إنتصار الحقيقة


عبدالستار الراوي
برحيل الفيلسوف روجيه غارودي، أعادت وجهات نظر لذاكرتنا تفاصيل اللقاء الحواري المعمق الذي أجراه الاستاذ مصطفى كامل في عام 2000 مع أبرز مفكري المائة سنة الاخيرة، وقد أظهر اللقاء بأسئلته الذكية؛ ماهية المشروع الذي دعا إليه الفيلسوف روجيه غارودي؛  في مقارعة وحشية الولايات المتحدة، مشروع إقامة مؤتمر باندونغ جديد، باندونغ اقتصادي بالدرجة الأساس دون إهمال الجوانب السياسية، الذي أوجب فيه الشروع في تنظيم تجمع يضم دول آسيا وأفريقيا من اجل خلق عملة جديدة لمواجهة هيمنة الدولار الأمريكي على أسواق العالم، وقد عد دعوة العراق آنذاك لاستخدام اليورو شرخاً في الجدار المضروب حول الدول الآسيوية والأفريقية، ومن أجل الوقوف بوجه إمبريالية واشنطن يتعين توسيع هذا الشرخ، بتوجيه الضربات إلى الاماكن الرخوة وبهذا يمكن التصدي لهيمنة الدولار الاستعماري. 
منذ كتاباته الفلسفية المبكرة كان غارودي فيلسوفا كونيا، تبنى قضية الانسان في مراحل حياته كلها لم يتخل عن واجبه الاخلاقي في الدفاع عن حق الشعوب في الحرية والعدالة وعن حقها في الحياة الهانئة والكريمة، وبهذا المنهج الإنساني وقف بصلابة إلى جوار نضالات الشعوب فإنتصر للثورة الجزائرية، وناهض السياسة الفرنسية في حلقاتها  الاستعمارية . 
في كتابه الرائع  (واقعية بلا ضفاف) مرآة با نورامية، عكست التحولات الفكرية في حياة غارودي الغنية لرجل بدأ حياته مناضلا أمميا في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، لينتقل من الجدلية التاريخية وقوانينها إلى التأملات المتعالية، فيلج عالم التصوف الاسلامي بصحبة محي الدين بن عربى مغتبطا بأذواقه ومواجيده متماهيا في أحواله ومقاماته، ويقدم على إعتناق الإسلام بعد أن وقف على ينابيعه الاولى .
يعبر كتابه "واقعية بلا ضفاف" عن شخصيته الكونية، وعن تطوره الفكري، ورؤيته الفكرية ، وهو يحاول أن يقيم حوارا بين الضفتين المتباعدتين؛
الحركة والسكون،
الطبيعة والميتافيزياء،
النسبي والمتعالي،
المرئي والغيبي،
الجزئي والكلي،
الارض والسماء،
ومن طريف ماجاء في كتابه، هو إعجابه الشديد بحضارة وادي الرافدين، وضرب مثال (الإنسان الآشوري المجنح) بوصفه تعبيرا عن ثنائية الحاضر الواقع القائم وعصر المستقبل، وان عراقيي وادي الرافدين استبقوا العالم في التبشير بعصر الفضاء.  
وفي روايته "مَنْ أكون فى اعتقادكم؟" يتحدث "غارودي" عن الجيل الضائع بعد الحرب العالمية الثانية ،الذي خرج من غابة الدخان والموت بائسا مكتئبا، يضع أمامنا لوحة المقاربات الفاصلة بين ثنائية الوجود والعدم، ليقرر في النهاية إنتصار الحياة، وان بطل روايته الذي ولد في منتصف القرن العشرين سيكون رائعا، وانه يمثل الجيل الواعد الذي سيكون موضع إبهار لغارودي شخصيا..   
وكانت مذبحة صابرا وشاتيلا فى لبنان عام 1982، قد وضعت أمام غارودي الفصل الاخير بينه وبين الصهيونية، فأقدم بشجاعة متناهية على  نشر مقالة فى صحيفة "لوموند" تحت عنوان "معنى العدوان الإسرائيلى بعد مجازر لبنان"،  تضمنت بيانا وقعه مع غارودى، الأب ميشيل لولون والقس إيتان ماتيو.
وكان هذا البيان بداية صدام غارودي مع المنظمات الصهيونية التى شنت حملة ضده فى فرنسا والعالم، ففى عام 1998 حكمت محكمة فرنسية على غارودي بتهمة التشكيك فى محرقة اليهود فى كتابه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية، حيث شكك فى الأرقام الشائعة حول إبادة يهود أوروبا فى غرف الغاز على أيدى النازيين، وقد ألهمته قراءاته المعمقة ومنهجه النقدي للتراث اليهودي وللادبيات الدينية التوراة والتلمود تأليف كتاب "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية"، عرضها غارودي إجمالا على النحو التالي :
الأرض الموعودة لليهود في فلسطين، اليهود شعب الله المختار، أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، المحرقة النازية Holocaust، العقيدة اليهودية والصهيونية السياسية؛ والمسافة بين الاثنتين.
لكن غارودي في عرضه لهذه الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية – ولدولة إسرائيل، لم يؤلف كتابا بالمعنى التقليدي، وإنما حرص على أن يجعل من الوقائع نسيجاً للحقائق، قابلة للنظر وقابلة للفحص وقابلة لاختبار التماسك والمتانة.
وعرف عن فكر غارودي أنه ظلّ ملتزمًا بقيم العدالة الاجتماعية التى آمن بها في الحزب الشيوعى، ووجد أن الإسلام ينسجم مع ذلك ويطبقه، فظلّ على عدائه للإمبريالية والرأسمالية، وبالذات لأمريكا. 
وفى كتاب "الإسلام دين المستقبل" يقول غارودي عن شمولية الإسلام "أظهر الإسلام شمولية كبرى عن استيعابه لسائر الشعوب ذات الديانات المختلفة، فقد كان أكثر الأديان شمولية فى استقباله للناس الذين يؤمنون بالتوحيد وكان فى قبوله لأتباع هذه الديانات فى داره منفتحًا على ثقافاتهم وحضاراتهم، والمثير للدهشة أنه فى إطار توجهات الإسلام استطاع العرب آنذاك ليس فقط إعطاء إمكانية تعايش لهذه الحضارات، بل أيضاإعطاء زخم قوى للإيمان الجديد: الإسلام.
تحية إلى روح الفيلسوف الكوني المناضل روجيه غارودي
تحية إلى وجهات نظر، منبر الثقافة المستنيرة، وتحية للصديق الرائع مصطفى كامل وهو يستذكر مآثر فيلسوف الإنسان والحرية، وحري بشعبنا العربي في فلسطين أن يبادر إلى إقامة نصب يليق بمقام غارودي إعترافا وتقديرا لدوره المعرفي والنضالي في فضح الأساطير الصهيونية وفي إنتصاره للحقيقة.


ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..