موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

الأحد، 13 أبريل 2014

الفلوجة في الواجهة للعام 11 بنجاح ساحق

وجهات نظر
نزار السامرائي
شأن المدن التي دخلت تاريخ المقاومة المسلحة ضد المحتلين بكل لغاتهم وأديانهم وسحناتهم ومن بعدهم وكلائهم من الحكام الطغاة والمستبدين، من أشرف وأوسع أبوابه، ما تزال مدينة الفلوجة كلمة تتردد في مراكز الدراسات الاستراتيجية ومجالس الأمن الوطني والقومي والإقليمي والدولي لاستخلاص العبر من دروسها، لأنها مدينة استعصت على الركوع إلا لبارئها أو الخضوع والتدجين والترويض وللتعرف على عوامل الثبات ومصادر قوته.

استحقت الفلوجة أن تختزل تاريخ المدن التي تألق اسمها في تاريخ الحروب الكبرى، مثل ستالينغراد (السوفيتية) في الحرب العالمية الثانية حينما صمدت حتى النهاية بوجه جيوش النازيين وكانت بوابة النصر على الألمان في الجبهة الروسية ومن ثم هزيمة ألمانيا في الحرب، أو هانوي عاصمة فيتنام الشمالية عندما تحملت أعظم التضحيات خلال الحرب الفيتنامية وذلك عندما تعرضت مختارة لأقوى الغارات الجوية التي شنتها طائرات B52 الأمريكية الاستراتيجية، ولكن هانوي لم تستسلم للعدوان الأمريكي الذي ورث من النازيين في الحرب أسوأ أساليب التدمير والقتل فكانت الهزيمة الأمريكية عسكريا وسياسيا أكبر من قدرة المجتمع الأمريكي على تحمل تداعياتها النفسية حتى تكرست العقدة الفيتنامية كجزء من الموروث الكابح لكل نوايا التدخل الأمريكي في الخارج.
ولكن أخطاء القادة والزعماء ظلت على الدوام واحدة من أهم عوامل تغيير مسار تاريخ الأمم والشعوب وتراجع قوة الدول والإمبراطوريات وانهيارها في نهاية المطاف، وكأن تلك الأخطاء المميتة جزءٌ فاعلٌ من السنن الكونية التي لن يجد لها الإنسان تبديلا، فقد دخلت الولايات المتحدة في حقبة التراجع عندما ظنت أنها القوة الدولية الأعظم التي لن تقهر أبدا لأنها قادرة على تجديد شبابها سياسيا واقتصاديا وعسكريا بحكم فعالية نظامها السياسي وحيويته وقوة قاعدتها الصناعية، ومما فاقم من الإحساس الأمريكي بالعظمة انهيار الاتحاد السوفيتي ومنظومة الدول الشيوعية في أوربا الشرقية، فأدى النظام الدولي الناشئ عن خروج الاتحاد السوفيتي السابق عن معادلة التوازن الاستراتيجي الدولي الذي كان قائما على القطبية الثنائية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، إلى اختلال ميزان القوى الدولية وبروز حقبة القطبية الواحدة وانتعشت أفكار الهيمنة الأمريكية مجددا بعد أن نسي الشعب الأمريكي مأساته في مستنقعات فيتنام وغاباتها، فطفقت مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة من مجلس الأمن القومي ومراكز الدراسات الاستراتيجية ووزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالتحضير لما ظنته القرن الأمريكي أي القرن الواحد والعشرين الذي عقدت العزم على جعله قرنا أمريكيا خالصا لها من دون منازع، فكان اختيار العراق ساحة اختبار أساسية لتجربة استراتيجية اليمين الأمريكي المحافظ الجديد على طريق صعود الولايات المتحدة وهيمنتها الكاملة على مقادير العالم بشعوبه ودوله صغيرها وكبيرها، وهذه المرة كان المأزق الأمريكي أكبر من كل ما مرت به الولايات المتحدة في حروبها السابقة فقد خابت حسابات مراكز الدراسات المتعددة مع أكثر أجهزة الكومبيوتر تعقيدا مما يمكن القول بشأنه إن حسابات البيدر الأمريكي المفترض لم تأت موافقة لحسابات الحقل العراقي، فقد جاءت أمريكا بكل قوتها لغزو العراق بعد أن أخضعته لحصار اقتصادي وسياسي وعسكري لم يسبق له مثيل في التاريخ، فكان طبيعيا أن تأتي نتائج الغزو سريعة بسبب الفارق الهائل في ميزان القوى بين جيوش الغزو التي ضمت جيوشا من الولايات المتحدة وبريطانيا واليابان وأستراليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية وغير ذلك كثير من الأسماء التي تسابقت لاقتسام الكعكة العراقية على وفق ما صورت لهم أمريكا أنه حاصل، وكان يكفي وجود الجيش الأمريكي لوحده في المنازلة ولكن النفاق السياسي للدول التي شاركت في الغزو دفعها لأن تبعث بفرق أو ألوية أو أفواج وبعضها أقل من ذلك بكثير حتى وصل في إحدى دول البلطيق الضائعة على الخارطة أن تبعث عسكريا واحدا فقط لمجرد تسجيل حضور في مأدبة الشيطان الأمريكي ونحر العراق وتقديمه أجزاءً على القتلة.
ما ظنته الولايات المتحدة نزهة لمقاتليها إبعادا لهم عن الملل وأجواء السأم التي يستشعرها الجنود في معسكراتهم الثابتة، وعلى نحو لا يكلفها شيئا أكثر من مناورة لجيشها بالذخيرة الحية، تحول الحلم الأمريكي إلى كابوس مرعب وكارثة قاسية، بعد أن فُتحت عليها أبوابُ الجحيم من كل جانب، فقد انطلقت أسرع مقاومة شهدها أي بلد تعرض لاحتلال خارجي، وكان صقور اليمين المحافظ في الولايات المتحدة يغرون جنودهم بأن النصر قد تحقق فعلا وأن ما يجري ليس أكثر من جيوب متفرقة سرعان ما يتم القضاء عليها، ولهذا أعلن جورج بوش الابن النصر من على ظهر حاملة الطائرات لنكولن في مطلع أيار 2003 أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من دخول القوات الأمريكية إلى بغداد، وكان ذلك التصرف من أكثر المواقف رعونة ونزقا بعد قرار شن العدوان على العراق.
احتلت الفلوجة في تاريخ العراق الحديث مكانا متميزا فكانت بجدارة واسطة العقد، إذ شهدت انطلاق المقاومة المنظمة للاحتلال الأمريكي بعد أن كانت بغداد قد شهدت إطلاق القذيفة الأولى على عجلة همر في العاشر من نيسان فدمرتها بمن فيها عند نفق الشرطة في شارع الربيع، ولكن الفعل المنظم لعمل المقاومة الوطنية المسلحة كان قد ثبت ركائزه في مدينة الفلوجة ومنها انطلقت أكبر العمليات النوعية ولتضاعف الخسائر الأمريكية التي كانت تتصاعد بوتائر كبرى لم تنفع معها كل التحسينات التي طلب البنتاغون من الشركات المصنعة للدبابات والعربات المدرعة زيادة تدريعها لمواجهة قذائف المقاومين الصاروخية ولعبواتهم الناسفة، فأدت الهزائم التي واجهها الجيش الأمريكي في الفلوجة إلى أعلى درجات الانفعال العصبي للقادة العسكريين الميدانيين وفي رئاسة الأركان المشتركة بنفس درجة الشد العصبي التي عاشها البيت الأبيض ووزارة الدفاع والشارع الأمريكي الذي بدأ يستعيد ذكريات الحرب الفيتنامية المرة، فنجحت المقاومة المسلحة في نقل أجواء المعركة من شوارع الفلوجة إلى شوارع المدن الأمريكية التي بدأت باستقبال النعوش الملفوفة بالعلم الأمريكي، ولهذا نرى أن القيادة العسكرية الأمريكية في العراق حرصت على شن عملية عسكرية كبرى على مدينة الفلوجة، وهذا ما حصل ولكن العملية الأولى فشلت بكل المقاييس المعتمدة في تقييم نتائج الحروب، ثم جاءت عملية الفلوجة الثانية لتسجل الإخفاق الاستراتيجي للولايات المتحدة وبداية هزيمتها وذلك عندما تحول شعار الهرب من العراق قبل فوات الأوان إلى شعار سياسي غلاب يتداوله المرشحون لمنصب الرئاسة أو لعضوية الكونغرس بغرفتيه.
وبقيت الفلوجة في الذاكرة الأمريكية رمزا لعار هزيمة الولايات المتحدة، ولكنها بالمقابل تألقت في سماء العراق وذاكرة العراقيين كرمز مجيد للمقاومة الباسلة التي استطاعت أن تقهر أكبر قوة عسكرية عرفتها البشرية في تاريخها منذ أن عرفت الدول تأسيس الجيوش، ولم تكتف المقاومة بهذا فقط بل اقترن اسم الفلوجة بإزاحة الولايات المتحدة عن موقعها كمركز استقطاب دولي وحيد، وهذا ما أكدته الأحداث اللاحقة في سوريا وأوكرانيا، كما كانت الهزيمة قد تأكدت من التصريحات المتوافقة التي أطلقها الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد ورؤساء الأركان المتعاقبون من أن الولايات المتحدة لن يكون بوسعها بعد الآن خوض حربين في وقت واحد، ولكن الحقيقة كانت أكثر مرارة من هذه الصورة، إذ أن ما لم يقله أولئك المسؤولون الأمريكيون هو أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على خوض حرب واحدة بسب الدروس المستخلصة من حروبها العدوانية في شتى أرجاء العالم من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.
واليوم وبعد مرور أحد عشر عاما على انبثاق المقاومة العراقية في بغداد والفلوجة، ها هي الفلوجة في واجهة الأحداث لتقول لوكلاء المحتلين الأمريكان والإيرانيين، إن الملل لم يتسرب إلى قلوب أبنائها من طول المنازلة وجسامة التضحيات وكأن عزمهم في يومه الأول يتجدد كلما أوغل تحالف الشر الأمريكي الإيراني مع الطائفيين من المتسلطين على رقاب العراقيين، فإن يكن أهل الفلوجة يألمون فإن أعداءهم يألمون كما يألم أهل الفلوجة، ولكن المقاومين يرجون من الله ما لا يرجو عدوهم، وبسبب هذا فإن الطوق الذي فرضته قوات المالكي على المدينة والقصف المدفعي الذي كان يفترض به حماية حدود العراق الشرقية من الاختراق الإيراني المنظم، نراه لا يتوقف عن توجيه قذائفه نجو المدينة من دون أن يفت في عضد رجالها الشجعان لأنها هي المدينة التي أجادت فن الصمود وتدمير معنويا أعدائها.  


ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..