موقعنا الجديد، مع التقدير

موقعنا الجديد، مع التقدير
نأسف لإزعاجكم، انتقلنا إلى هنا رجاءً، يرجى الضغط على الصورة للانتقال إلى موقعنا الجديد

السبت، 10 ديسمبر 2011

الحل "السومري" لأزمة المال العالمية

بالعودة إلى الجذور، ثمة حلول ناجعة لمشاكل وأزمات مستعصية..
إليكم الحل السومري للأزمة المالية العالمية، كما عرضه الأستاذ محمد عارف  في مقال له مؤخراً.





الحل "السومري" لأزمة المال العالمية


محمد عارف

العودة إلى الأم". هذا هو الحل الذي ابتكره قبل خمسة آلاف عام السومريون، سكان العراق القديم. وعبارة "العودة إلى الأم" هي الأصل اللغوي لعبارة "إعلان الحرية" والتي تعني لدى السومريين "الإعفاء من الديون". يروي تفاصيل ذلك كتاب صدر حديثاً بالإنجليزية عنوانه "الدَّيْن: خمسة آلاف عام الأولى". ويذكر مؤلف الكتاب، ديفيد غرايبر، وهو عالم أنثروبولوجيا أميركي، أن الدَّيْن ارتبط بالعنف، ونشأ في الأصل عن الرِبا الذي كان يؤدي إلى إفقار المزارعين فيضطرون في مواسم القحط والكوارث الزراعية إلى رهن ممتلكاتهم، بدءاً بالحبوب والمعز والأثاث، ثم يرهنون مزارعهم ومنازلهم، وحتى أطفالهم وزوجاتهم وأنفسهم، حيث يصبح الجميع رهائن يعملون لصالح الدائن حتى يوفوا دينهم.
و"ديون الفقير تحطّ من شأنه، ما يُنتزعُ من فمه يُدفعُ لأداء الدين". يقول ذلك السومريون الذين كانوا يهجرون مزارعهم هرباً من هذا المصير. وكان ملوك سومر، ومن بعدهم ملوك بابل، يعلنون دورياً الإعفاء العام من الديون خشية أن يؤدي هروب المزارعين إلى انهيار المجتمع. وجرت العادة أن يُعلن كل ملك جديد يتولى السلطة عفواً عاماً عن جميع الديون، باعتبار ذلك واجبه الأساسي في إعادة بناء المجتمع، حيث يلغي الديون بالكامل، باستثناء التجارية منها، ويعيد جميع الأراضي إلى مالكيها الأصليين، ويفك أسر الرهائن ليعودوا إلى عوائلهم. عملية تحرير رهائن الدين تعني حرفياً "العودة إلى الأم"، ومنها جاءت كلمة الحرية "أمارغي" amargi والتي استخدمها السومريون لأول مرة في التاريخ، وأدخلوا مفهوم "الحرية" إلى جميع اللغات.
ويقول المثل السومري "كل ما يملكه الفقير لا يعادل القهر". يجهل ذلك كبار علماء الاقتصاد الغربيين الذين يغفلون منذ آدم سميث حقيقة أن الديون نشأت قبل النقود، وليس العكس. ويشير ديفيد غرايبر إلى أن علماء الأنثروبولوجيا أدركوا منذ قرن تقريباً أن نظام الدَّيْن، والجداول، وحتى حساب المدفوعات، نشأت قبل النقود بوقت طويل، وكان آدم سميث يعتبر تاريخ الاقتصاد بدأ مع المؤرخ الإغريقي هوميروس. "ونعرف الآن من الوثائق المصرية والعراقية القديمة أن نظام الاقتراض الذي يسمى في الوقت الحالي نقوداً افتراضية، سبق ذلك بآلاف الأعوام. والنقود أوجدها في الحقيقة البيروقراطيون لمتابعة وضع الموارد، وانتشارها غير المتساوي، ولم تحل النقود قطُّ محل أنظمة الإقراض".
ويثير الدهشة كيف يؤرخُ معظم علماء الغرب للاقتصاد بسك النقود والسبائك حتى في عصر النقود الإلكترونية أو "الافتراضية" حيث "تجري الحياة الاقتصادية في الواقع في مجتمعات وأسواق حقيقية، وكل شخص قد يكون مَديناً لكل شخص آخر بعشرات الطرق، ومعظم المعاملات تجري من دون استخدام نقود".
وليس صدفة أن يكتشف ذلك علماء الأنثروبولوجيا، وهو العلم الذي يدرس الإنسان، عبر الحدود والحواجز الزمنية والمنهجية القائمة بين العلوم المختلفة. والعراق هو الموقع "اللوجستي" لرؤية تطور المجتمع الإنساني، حيث يمكن مشاهدته ميدانياً بشق مقطع عُرضي في أي من التلال المتناثرة عبر السهوب، من كهف "شنايدر" قرب راوندوز شمال العراق، حيث عاش إنسان النياندرثال، وحتى زقورات "أريدو" في أقصى الجنوب، حيث ولدت اللغة وفن العمارة. وكالطبقات الجيولوجية التي تؤرخ لعصور مختلفة، تكشف طبقات التلول عن تراكم الحضارات، وتحمل بصمات الإنسان، منذ خروجه من الكهوف، وإنشائه أول المساكن والمخابز والورش والقرى، وحتى "أور"، أول المدن في التاريخ، و"بابل" أول عاصمة امبراطورية "متروبوليس".
ويتحدث غرايبر بإعجاب كبير عن النظام الاقتصادي الإسلامي الذي حرّم "الرِبا" وبرهن على أن ذلك لا يضعف النمو التجاري، ولم يعرقل حتى تطور أدوات الإقراض المعقدة، بل "بالعكس، ازدهر كلاهما منذ القرون المبكرة لحكم الخلفاء. وكانت أدوات الإقراض من الأهمية بحيث كان التجار يميلون إلى حفظ مالهم بادخار الصكوك وتبادلها في المعاملات اليومية بدلاً من النقود". وكان يجري تظهير "الصكوك" وتحويلها، والتعامل برسائل الاعتماد "السفتجه" عبر المحيط الهندي وحتى الصحارى الكبرى. و"كانت أوراق التعهدات تعمل بشكل مستقل عن الدولة، ولم تصبح أبداً نقوداً ورقية، ولم تستخدم لدفع الضرائب، وبقيت قيمتها قائمة على الثقة والسمعة". ويمكن في حال الإخلال بها التوجه للمحاكم الإسلامية، "إلاّ أن تكليف شاعر بتأليف قصيدة تذم المدين قد يكون له تأثير أكبر"!
وعززت شبكات الثقة انتشار الإسلام، وامتدت مع قوافل المسلمين "مقيمة الهياكل الارتكازية للتعاليم الشرعية، ووسائل إنشاء العقود واستعادة الديون، وتأسيس القطاع المصرفي القادر على تخليص رسائل الائتمان أو تحويلها". وبلغت الثقة حداً "أسطورياً" بين التجار المسلمين "الذين كانوا يتجنبون العقود المثبتة قانونياً مفضلين ختم المعاملات بالمصافحة اليدوية والتطلع إلى السماء".
و"كل من يتبع الحق يبدع الحياة "حسب المثل السومري، الذي قد يفسر مكانة كتاب "الدَّيْن" كأحد أهم المؤلفات الصادرة في العام الحالي. يذكر ذلك بول ميسن، المحرر الاقتصادي لـ"بي بي سي" الذي رصد كيف تعيد شهادة غرايبر عن بلاد ما بين النهرين "صياغة تفكير الشركات وصنّاع القرار". وقد نبالغ بالتفاؤل إذا قلنا إن إعادة صياغة الاتفاقية الأوروبية التي قررتها أخيراً ألمانيا وفرنسا ستوقف ذوبان الديون والأسواق المصرفية. فالقصة بدأت، حسب عالم الاقتصاد الأميركي بول كروجمان في السنوات السابقة التي قادت عام 2008 إلى انهيار النظام المصرفي، والتراكم السريع للديون في أوروبا كما في أميركا. وكان أغلب الديون قد ذهب ليس للحكومات، بل إلى القطاع الخاص، وجرى معظم الإقراض ضمن بلدان الوحدة، حيث تدفقت الاستثمارات من ألمانيا إلى جنوب أوروبا، وكان الاعتقاد السائد بأنها طالما كانت بعملة "اليورو" فلن تتعرض للخطر. وعندما انفجرت فقاعة الديون، بدأت بالعقارات في أميركا، وسارع زعماء المصارف الأوروبية إلى المطالبة بوقف الإنفاق والتقشف حتى من النمسا وفنلندا، غير المَدينتين وغير المعروفتين بالإسراف في الإنفاق. ومع التقشف والهوس المَرَضي للمصارف المركزية بالتضخم أصبح من المستحيل للبلدان المَدينة التخلص من فخ الديون، وبدأ الانهيار المالي للمصارف. ويتمنى كروجمان، الحاصل على "نوبل" في الاقتصاد، أن يغير الأوروبيون مسلكهم قبل فوات الأوان، لكنه لا يعتقد بأنهم سيفعلون ذلك، "وستتبع أميركا مصيرهم إلى هاوية الدمار".
يقول المثل السومري "أن تكون ثرياً وتطلب المزيد إهانة للإله". ولا إهانة أشد من التي وجهها بوش وفئة من "رأسماليين بروتستانت" مهووسين، حسب غرايبر، بـ"شن الحرب على العراق الذي يسمونه فيما بينهم بابل، باعتباره مهد شريعة الإعفاء من الديون، والاقتصاد التجاري المتحرر من الرِبا". والآن نعرف أن تحرير ضحايا الرِبا، ورهائن الدَّيْن، وليس تحرير النقود، هو الذي يوقف الكارثة. فـ"أمارغي"، يا زعماء الغرب، تعني الحرية. تَعلَّموا السومرية!

ملاحظة:
نشر المقال هنا.

ليست هناك تعليقات:

تنويه من المحرر

تنويه من المحرر
وجهات نظر موقع شخصي تماماً لا يمثل أي جهة أو حزب أو منظمة، ولا ينتمي إلا للعراق وأمته العربية والإسلامية، وهو محمي بالقانون وبميثاق الشرف الصحفي ولايسمح بإعادة النشر إلا بشرط ذكر المصدر.. الكتاب يتحملون مسؤولية مقالاتهم، والناشر غير مسؤول عنها..